الاثنين، 28 فبراير 2011

لماذا الآن؟


بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله
بعد أن توالت الأحداث في الشهرين الآخيرين على أمتنا الأبية، من ثورات هنا وهناك، فإن المسلم ليقع في حيرة من أمره، في الوقت الذي تنتشي فيها نفسه بفرحة غامرة لمدى "يقظة" الأمة من سباتها، وإظهارها عشقها للحرية، خاصة بعدما حدث في تونس الخضراء، ومصر المعز بن عبد السلام، والآن في لبيبيا عمر المختار...والحبل على الجرار!
تساؤل يلوح في النفوس الحائرة: لماذا الآن؟
أنا ضد من يؤمن بنظريات المؤامرة، على الرغم من وجود بعض الشواهد التي لا تنفصل عن سياسة المصالح، فكل يسعى لمصلحته، وإن كان على حساب شعوب أو أمم بأكملها.
لن أطيل، ولكنني سأطرح مجموعة من الأسئلة، لعلها تصل بنا إلى بر أمين:

  • الجميل -والمشكل في الوقت نفسه- أن الثورات تنشب دون أن تتبنى قيادتها جهة واحدة غير الشعب بمختلف أطيافه وأفكاره وانتماءاته. تنجح الثورة في الإطاحة بالنظام -أو رأسه- ولكن، ماذا بعد؟ ومن بعد؟ خاصة وأننا تعلمنا من القرن العشرين أن الثورات تقوم بها الشعوب، ويقع ضحيتها الإسلاميون، ثم يلتف عليها اليساريون والدكتاتوريون والاشتراكيون وموالو الغرب تارة، والشرق تارة أخرى!
  • لماذا هذا التوقيت بالذات؟: ولماذا تزامنت مع نجاح جنوب السودان في الانفصال عن جنوبه، مع تعالي الصيحات بانفصال جنوب اليمن عن شماله، وتهديد القيادة الليبية بتقسيم البلاد إلى ثلاث ولايات كما كانت قبل القئافي، وتحريك "غريب" للأوضاع في العراق لتوقظ نغمة انفصاله من جديد إلى ثلاث دويلات: شيعية في الجنوب، وسنية في الوسط، وكردية في الشمال؟
  • لماذا هذا التوقيت بالذات؟: ولماذا في الوفت الذي ينازع فيه الروافض السلطة في البحرين، والوصول إلى السلطة في لبنان؟
  • لماذا هذه المواقف الأميريكية والأوروبية والروسية الركيكة إزاء ما يحدث: فتارة تبدو بمظهر المؤيد لثورات الشعوب المناضلة من أجل الحرية والديموقراطية -زعموا- وتارة من أجل مصلحة إسرائيل -كما في مصر- والمحافظة على إمدادات النفط والغاز، -كما في الخليج بعامة وليبيا-؟ هل هذه الدول لا تعلم حقاً ما يجري، أم أنها تظهر الترقب والحيرة؟
  • لماذا يتعاملون مع روافض البحرين بصيغة المؤيد على استحياء، وفي إيران بصيغة التشجيع الصريح، وكلاهما في الهم سواء؟
  • لماذا ظهرت وطغت "رياح التغيير" فجأة والحال هي الحال: الفقر والجوع والبطالة والقمع والتغريب والتيه والخوف؟
  • لماذا كل هذا، ولم يتغير شيء على فلسطين: الاستيطان يتوسع، والاحتلال يقصف غزة كل يوم، ويسقط الشهداء تلو الشهداء، ولا أحد يرى أو يسمع، وسط تشدق الاحتلال وخوفه المزعوم من ثورة مصر؟
  • ولماذا تشتعل ثورات -لا أرتاح لها أو أجد مبرراً حقيقياً لها- في عمان، أو البحرين، وكلاهما يقبع على بحار من النفط؟
  • ولماذا صحا الناس في الأردن "فجأة" مطالبين بملكية دستورية وإصلاحات، كما فعل المغاربة في المغرب، ويطالب البحرينيون في البحرين، وكأننا أصبحنا في بريطانيا؟
  • أهي غيرة من تونس، أم صحوة حقيقية تعرف ما تريد؟
  • ولماذا صحا الناس "فجأة" في الجزائر، ليقود الثورة -وبئس الزعيم- من قام بإلغاء نتائج الانتخابات الديموقراطية التي جاءت بالإسلاميين، وهو الآن يتشدق بالديموقراطية؟
  • هل تتجه الدول العربية ذات النظام الجمهوري إلى النموذج الأميريكي، في حين تتجه الدول الملكية إلى النموذج البريطاني؟ عذراً إن سقط  النموذج الفرنسي والإيطالي من الحساب!

كل هذا، والله تعالى أعلم بما سيأتي...

الخميس، 30 سبتمبر 2010

اليوم العشرون: الاقتصاد الكسول

بسم الله الرحمن الرحيم

قد يبدو ما سأقوله اليوم مكرراً في أيام سابقة تحدثت عنها في هذه المدونة، ولكن كثرة المشاهدات تحمل الإنسان على كتابة ما تجب كتابته!

"الاقتصاد الكسول": مال وأعمال ووظائف تبني أوهاماً في السماء، دون أن تحقق واقعاً حقيقياً يدفع البشرية للأمام!

ما لفت نظري هو سماعي خبراً عن ارتفاع نسب البطالة في العالم، وكثرة "القاعدين" عن سلوك درب الناجحين! ولأوضح أكثر، سأتلو عليكم من ذلك كله ذكراً:

  • هل الاستثمار في حقل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات يخدم الأمة حقاً؟
  • هل الاستثمار في حقل التعليم المدرس والتعليم الجامعي يساهم حقاً في إيجاد نخب واعية قادرة على تحمل أعباء الحياة ونهضة الأمة؟
  • هل الاستثمار في القطاع المالي: من بنوك وتأمين وأسهم وسندات يعمل حقاً على بناء الأمة؟
  • هل الاستثمار في قطاع الثقافة والفنون والآداب يبني أمة "حية" ذات عقل وقلب وذوق؟
  • هل الاستثمار في قطاع الاستيراد يأتي بما يخدم الأمة ويبنيها، أم بما يحرك أموال الأمة باتجاه الخارج؟
  • هل الاستثمار في قطاع البناء والعقارات يعين أبناء الأمة على السكن الصالح والعيش الكريم؟
  • هل الاستثمار في قطاع الإعلام يبني في الأمة عقلاً مفكراً وواعياً للحقيقة؟
  • هل الاستثمار في قطاع التدريب والاستشارات يعين حقاً على تحسين الفرد والمؤسسة؟

  • وأخيراً: هل الأعمال المكتبية والإدارية كلها مفيدة حقاً؟


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السبت، 18 سبتمبر 2010

اليوم التاسع عشر: اللغة العربية والتسويق والإعلام الحديث

بسم الله الرحمن الرحيم

منذ نعومة أظفاري، وأنا أعرف أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للتلفاز والصحافة والإعلام، فنقرأ الصحف باللغة العربية، ونرى مسلسلات الكرتون والأطفال باللغة العربية الفصيحة، نحاول كتابة الرسائل البريدية بما نستطيعه من الكلام العربي الفصيح.

ولكن ومنذ سنين قريبة، وبعد ظهور الفضائيات والإنترنت وأجهزة الاتصال الخلوية أو المحمولة أو الجوالة، أصبحنا نفاجؤ بسيل من الإعلانات والمقالات والمقابلات والخطابات والشعارات والبرقيات والرسائل القصيرة عبر أجهزة الاتصال، والتعليقات المنشورة على صفحات الإنترنت التي تكتب بلغات عامية محكية تعرف من خلالها جنسية من يكتبها أو يتحدث بها، حتى أضحت اللغة العربية الفصيحة "غريبة" و"صعبة" و"لا تجاري روح العصر" و"تصلح للأعمال التراثية" و"لا تساعدنا في تسويق منتجاتنا وخدماتنا"!!

لقد أصبح من المألوف أن تحاول "فك طلاسم" التعليقات والرسائل المكتوبة بلهجة عربية عامية، يصعب للوهلة الأولى معرفة مراد القائل منها، مما أدى بنا إلى تأخر وضعف شديدين في الإنشاء العربي، ومما أدى بنا إلى صعوبة فهم آيات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وكتب الأقدمين كونها لغة غير مألوفة وغير محبوبة!

لقد روج المسوقون والعاملون في مجال الدعاية والإعلام للهجات العربية العامية بشكل كبير حتى تراها على شاشات التلفاز والهاتف والحاسوب واللوحات الإعلانية في الطرقات والحافلات والسيارات والصحف!

أما آن لنا أن نعيد الثقة بلغتنا لتصبح لغة عربية فصيحة، على الأقل في مكتوبنا ومقروؤنا!

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجمعة، 17 سبتمبر 2010

اليوم الثامن عشر: المرجعية الدولية!

بسم الله الرحمن الرحيم
حين نقرأ صفحات الأخبار في المواقع الإخبارية المختلفة، وتعليقات القراء عليها، أو حتى حين تستمع إلى المقابلات التي تجرى مع الناس عبر القنوات الإذاعية والفضائية حول أحداث تصيب الأمة، تسمع إلى الكلمات والعبارات التالية:
  • هذا يتناقض مع المبادئ الإنسانية
  • أين الشرعية الدولية؟
  • أين الشرفاء في هذا العالم؟
  • أين حقوق الإنسان؟
  • هذا لا يتماشى مع الأعراف الدولية
  • نحن نناشد الأمم المتحدة والمجتمع الدولي
  • أين الديموقراطية والحرية؟
  • يحق لأي إنسان أن يقوم بهذا

لا أدري، ما هو التعريف المقبول لدى جميع الملل والنحل لكلمة إنسان؟
وأين كتبت هذه المبادئ والحقوق؟
ومنذ متى تم الاتفاق عليها؟
ومن القائم على ديمومتها وتطبيقها؟
كيف نرفع شكوانا واعتمادنا ومرجعيتنا لغير الله؟
لماذا نخاطب الناس دوماً على استحياء حين يتعلق الأمر بديننا، ونستبدله بالحديث عن "الإنسانية"!
وهل نعتقد أن هذا سيوصلنا إلى أذن تصغي وتسمع، لمجرد أننا ننادي بـ"الإنسانية"؟
أو ليس في كتاب الله وهدي نبيه ما ندمغ به من لا يتماشى مع هذه "المبادئ الإنسانية والشرعية الدولية وحقوق الإنسان"؟
أي أوتار هذه التي تعزف ونغني لها ونصفق، فلا هم احترمونا وسمعوا لنا، ولا نحن حققنا غاياتنا ومطالبنا؟

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأحد، 12 سبتمبر 2010

اليوم السابع عشر: قناعات اقتصادية أخرى

بسم الله الرحمن الرحيم
أبدأ مقالتي هذه بعدد من القراءات لأحداث اقتصادية في الشهرين الأخيرين:

  • منذ عدة أسابيع، ثارت الدنيا حين أعلن عن ذهاب ثلث الإنتاج السنوي الروسي من القمح، بما يقدر بنحو خمسة وثلاثين مليون طن، وهو ما أجبر الحكومة الروسية على منع تصدير القمح سداً للاحتياجات المحلية.
  • يطالعنا في صحيفة الغد خبر يقول أن مجموع محاصيل القمح محلية الإنتاج على مدار سنة كاملة لا تكفي الأردن ثمانية أيام!
  • وخلال شهر رمضان المبارك، شاعت ظاهرة مقيتة في بعض مناطق الأردن -ليست بالقليلة- وهي شح المياه، وعدم ضخ المياه إلى البيوت والشقق التي يعيش فيها مواطنون يصعب عليهم شراء صهاريج المياه التي يبيعها "ساسة الماء" بأثمان عالية!
  • وحيث أن رمضان يختم بعيد الفطر المبارك، تأتينا التقارير عن أن استهلاك الدول العربية من الألعاب المستورة من الصين فقط، تناهز المليار ونصف المليار من الدولارات، خلال فترة لا تتجاوز عدة أيام!

أقول وبالله التوفيق:
الكل يضرب على وتر عود واحد: هذا الأمر غير مجد اقتصادياً!
فزراعة القمح غير مجدية اقتصادياً في البلاد العربية كوننا نحصل على نصيب وافر منها "بالمجان" على شكل منح ومساعدات، وكوننا نعاني قصوراً في تلبية احتياجاتنا المائية، فضلاً عن احتياجاتنا من الدعم لهذه المحاصيل! ألم يعش آباؤنا وأجدادنا دهوراً وقروناً يزرعون القمح فيأكلون ويشبعون؟ وإلى متى عزوف الناس عن الزراعة وتربية الأنعام؟
لا أدري متى سيشكر الناس الله عز وجل على نعمة هطول الغيث ونزول الأمطار، ويحاولوا بجد إيجاد سياسات حقيقية "مجدية اقتصادياً" للحد من الفاقد المائي في شبكات مياه مهترئة، وسدود وضعت في غير أماكنها الصحيحة ولا تستثمر في توليد الطاقة الكهربائية، وطاقة شمسية لا تستغل مطلقاً في تحلية مياه البحار والآبار المالحة، ومضخات مياه عفا عليها الزمن، وشبكات صرف صحية لا تغطي كثيراً من البيوت، ولا تستثمر بشكل صحيح في إعادة تدويرها وتكريرها والاستفادة منها في الحصول على الأسمدة والطاقة العضوية!
وأي جدوى اقتصادية نتحدث عنها في صناعة ألعاب بلاستيكية لا تكلف أكثر من قوالب وآليات ضخ الهواء في عجينة بلاستيكية خام لينة، لتتولد منها لعبة لا تدوم أكثر من أيام -أو ساعات- ؟ وأين اليد العاملة المكلفة؟ أو ليست كلها تعمل في التغليف والنقل؟ وهل يقارن هذا كله بمجموع تكاليف سفر، وتكاليف تخليص وشحن وجمارك وضرائب، فضلا عما يأخذه هذا وذاك حتى "يمشّي الموضوع"؟
أليس هناك من عقل راشد يمنع -أو على الأقل يقلل من- تدفق الأموال من البلاد العربية إلى الصين وغيرها من البلاد، بدعوى أنها مجدية اقتصادياً؟

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأحد، 5 سبتمبر 2010

اليوم السادس عشر: قناعات زائفة حول التربية والتعليم

بسم الله الرحمن الرحيم
لعلني اليوم أتطرق إلى موضوع شائك، يصيب الكثير من الناس، وهو القناعات التي توارثناها ونتناقلها حول المدارس والمعلمين والمناهح والكتب والاختبارات وغيرها من متعلقات العملية التربوية، خاصة بعد أن أصبح قطاع التربية والتعليم قطاعاً اقتصادياً يوفر الدخل لشريحة واسعة من الناس، ويطغى بمتطلباته اليومية على اهتمامات الناس كافة، وتنمو أعباؤه مع نمو الطفل باتجاه التعليم العالي.
لن أدخل هنا في نقاش تفصيلي حول كل نقطة، ولكنني سأطرح هذه القناعات على شكل نقاط أو تساؤلات تعبر عما يختلج صدور الناس:
هل المدارس الخاصة أفضل من المدارس الحكومية؟
هل المعلمون الشباب خير من كبار السن؟
هل الوسائل التعليمية أهم من الغايات؟
هل الجو التعليمي والترفيهي في التعليم له ذلك القدر من التأثير الفعال؟
هل "إكسسوارات التعليم" - وهي تلك الإضافات التجارية التي يتم الترويج لها بدافع تحسين مستوى التعليم- أمور إيحابية حقاً؟
هل يحتاج طالب الثانوية العامة حقاً إلى دخول المراكز الثقافية، وشراء "الدوسيهات أو الدوسيات"، والبحث عن الأسئلة الصعبة والشاذة والغريبة، وأولئك المعلمين "الأفذاذ" الذين يدركون أسرار الثانوية العامة؟
هل المدارس المختلطة تشجع الطلاب على "نبذ" النظرة الجنسية ومنع الخجل، و"اعتياد" الصحبة "البريئة" مع الجنس الآخر؟
هل مدارس النصارى تخرج أفواجاً "مهذبة مؤدبة تعلم فنون الإتيكيت والفن الراقي وطلاقة اللسان في اللغة الإنجليزية"؟
هل المدارس التي تهتم باللغة الإنجليزية أكثر من العربية أكثر "تقدمية" و"نفعاً"؟
هل المدارس "الإسلامية" حقاً "إسلامية"؟
هل ضرب المعلم للطالب مفيد حقاً أم ضار حقاً بالإطلاق؟
هل اتباع وسائل التدريس الغربية والأجنبية مفيد حقاً ويلائم احتياجات بيئتنا وديننا وطلابنا؟
هل تحقق المناهج التي تعتمد على الحفظ حقاً مفيدة؟
هل مدارس "خمس نجوم" ترفع من سوية الطالب ومهاراته ومعارفه حقاً؟
هل المناهج الأجنبية - مثل GCSE وO-Level وA-Level - وغيرها وسام على صدر الطالب؟
هل المدارس التي قسط الطالب فيها أغلى، تعد أفضل؟ وهل تحقق "البريستيج" الكافي للطلاب؟
هل يؤدي بنا التعليم حقيقة إلى نهضة حقيقية في الفكر والعمل، أم أنه سبيل للحصول على الوظيفة والزواج؟
هل المواد العلمية أفضل من المواد الأدبية؟
هل حوسبة التعليم بشكل كامل مفيدة حقاً؟
هل المدرسون الخصوصيون ظاهرة إيجابية بالنسبة للطلاب، أم حاجة ملحة للمال من قبل المعلمين "الفقراء"؟

هذه أسئلتي، فهل من مجيب؟
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الثلاثاء، 31 أغسطس 2010

اليوم الخامس عشر: العبادات والمكافآت

بسم الله الرحمن الرحيم

من الجميل جداً أن تمتع ناظريك بمرآى المسلمين وقد أقبلوا في مواسم الطاعات مثل شهر رمضان إلى الصلاة في المساجد، وتلاوة كتاب الله تعالى، وسماع آيات الرحمن في المذياع والرائية، وأجهزة الجوال والحواسيب.

كما نلاحظ جمال منظر المصلين وقد توافدوا لصلاة الجماعة، وخاصة الفجر والعشاء، إضافة إلى صلاة التراويح والقيام والتهجد -على اختلاف أسمائها والمضمون واحد-ـ قد غلب على مرآهم لبس الثوب الأبيض والدشداش الفضفاض، هروباً من حر الزحام في طاعة الله.
ولكن الملفت للنظر، هو شيوع عدد من الممارسات التي قد تطغى على ذلك المنظر البديع، يجمعها في النهاية أمر واحد: المكافآت!

وقد يتساءل القارئ: أين المكافآت في الموضوع؟

أصل الحكاية، هو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة تبارك وتعالى:(( كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أَجْزي به ،والصيام جنةٌ ، فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابه أحداٌ أو قاتله فليقل :إني صائم ،والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، للصائم فرحتان يفرحهما :إذا أفطر فرح بفطره ،وإذا لقي ربه فرح بصومه )) . أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. 

هذا هو الجانب المضيء، حيث أن المكافأة الحقيقية للصائم، هو فرحته بفطره، وجزاء صيامه عند لقاء ربه في جنان الخلد عند باب الريان.

كما أن الصائم الذي يقوم الليل في رمضان إيماناً واحتساباً، فإنه يغفر له ما تقدم من ذنبه.

ولكن ما يحدث في هذا الزمان، هو تبدل هذه المكافآت، لتصبح مكافآت دنيوية بحتة، يجاهر بها الناس بقصد أو بدون قصد، ولعلها تحرم العابد من جزاء عبادته، لتلف في وجهه، وترديه في جهنم، عياذاً بالله.

فما أن يؤذّن لآذان المغرب، حتى يبدأ الدوام الليلي على شاشات الفضائيات: مسلسلات، ومسابقات، بعضها على الجوال وبعضها على الهاتف وبعضها بالبريد الإلكتروني، وبعضها بالرسائل البريدية وغيرها كثير.

وما أن يجلس الواحد مع أقربائه وأقرانه، حتى يبدأ بسرد سيرته في رمضان: قرأت كذا وكذا جزءاً، وصليت خلف الشيخ الفلاني، وفي المسجد الفلاني، وأنا أحرص على تغيير المساجد في التراويج لزيادة الأجر ومنع السآمة، وصوت هذا جميل، وهذا يطيل الصلاة، وذلك يقصرها، وهذا المسجد مزدحم وذاك مريح، وقد فطّرت كذا وكذا صائماً، ووزعت طروداً خيرية، وتصدقت للجنة الزكاة والصدقات، وأنا أكفل يتيماً أو عائلة، وأنا أتكفل بإفطار من في المسجد، وأنا أتكفل بوجبة السحور في ليلة القدر، وأنا من يفتح المسجد على الفجر، وأنا أصلي خلف الإمام في الصف الأول، وأنا أحضر قبل الآذان بكذا وكذا، وقد اعتمرت في رمضان، وفعلت كذا وكذا في مكة والمدينة، وتبرعت ببناء مسجد أو مصلى أو فرش السجاد أو الدهان أو تركيب المكيفات، وأنا أتكفل بعبوات الماء العذبة، وأنا أختم مرة كل كذا وكذا، وأنا أحج في كل عام مرة، وأنا أوزع أشرطة وأقراصاً مدمجة إسلامية، وأنا وأنا وأنا ...
ا
لمكافآت قد تحولت من مكافآت ربانية يحرص عليها المسلم، إلى مكافآت يأخذها المسلم بدافع الرياء أو السمعة أو الجاه، ربما رغبة في تقدير السامع لمدى تقواه وعبادته، أو مدى ورعه وخشوعه، أو مدى معرفته لربه، وربما يوظفها البعض -ممن يطلبون الدنيا- من خلال صور له من الأيتام أو العمال أو في الحج أو في العمرة أو في المسجد، لأعمال انتخابية تساعده في الحصول على مغنم زائل. كما أن كثرة الدخول في "المسابقات الدينية" و"الرمضانية"، بدعوى أنها تساعد على استرجاع المعلومات الدينية، وما هي إلا كذب وزور وبهتان، لا تضيف للمسلم علماً نافعاً إلا فيما ندر، تسأل عن لقب فلان، والمعركة الفلانية، وسنة ولادة ووفاة فلان، لأجل رحلة أو جائزة مالية، يصرف الواحد وقته وجهده عليها عن الأولى، وهو المسابقة إلى الجنة!

كما أن المسلم بعد أن ينقضي موسم العبادة، يفرح لأن الله تعالى وفقه لاستغلالها في فعل الطاعات، في ترفيه حلال: نزهة بريئة، ولعبة رقيقة، وزيارة خفيفة، دون تصنع أو تنطع أو دخول في منكر أو معصية، بدعوى أن الله قد "خلصه" من موسم العبادة هذا، فيذهب لأماكن اشتهرت بالعري والفساد والاختلاط، أو يقضي الساعات على شاشات الفضائيات والإنترنت، يرى ما حرم الله، ويسمع ما حرم الله، لأنه بحاجة إلى مكافأة وراحة بعد العبادة!

اللهم تقبل إنا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته