الثلاثاء، 31 أغسطس 2010

اليوم الخامس عشر: العبادات والمكافآت

بسم الله الرحمن الرحيم

من الجميل جداً أن تمتع ناظريك بمرآى المسلمين وقد أقبلوا في مواسم الطاعات مثل شهر رمضان إلى الصلاة في المساجد، وتلاوة كتاب الله تعالى، وسماع آيات الرحمن في المذياع والرائية، وأجهزة الجوال والحواسيب.

كما نلاحظ جمال منظر المصلين وقد توافدوا لصلاة الجماعة، وخاصة الفجر والعشاء، إضافة إلى صلاة التراويح والقيام والتهجد -على اختلاف أسمائها والمضمون واحد-ـ قد غلب على مرآهم لبس الثوب الأبيض والدشداش الفضفاض، هروباً من حر الزحام في طاعة الله.
ولكن الملفت للنظر، هو شيوع عدد من الممارسات التي قد تطغى على ذلك المنظر البديع، يجمعها في النهاية أمر واحد: المكافآت!

وقد يتساءل القارئ: أين المكافآت في الموضوع؟

أصل الحكاية، هو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة تبارك وتعالى:(( كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أَجْزي به ،والصيام جنةٌ ، فإذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابه أحداٌ أو قاتله فليقل :إني صائم ،والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، للصائم فرحتان يفرحهما :إذا أفطر فرح بفطره ،وإذا لقي ربه فرح بصومه )) . أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة. 

هذا هو الجانب المضيء، حيث أن المكافأة الحقيقية للصائم، هو فرحته بفطره، وجزاء صيامه عند لقاء ربه في جنان الخلد عند باب الريان.

كما أن الصائم الذي يقوم الليل في رمضان إيماناً واحتساباً، فإنه يغفر له ما تقدم من ذنبه.

ولكن ما يحدث في هذا الزمان، هو تبدل هذه المكافآت، لتصبح مكافآت دنيوية بحتة، يجاهر بها الناس بقصد أو بدون قصد، ولعلها تحرم العابد من جزاء عبادته، لتلف في وجهه، وترديه في جهنم، عياذاً بالله.

فما أن يؤذّن لآذان المغرب، حتى يبدأ الدوام الليلي على شاشات الفضائيات: مسلسلات، ومسابقات، بعضها على الجوال وبعضها على الهاتف وبعضها بالبريد الإلكتروني، وبعضها بالرسائل البريدية وغيرها كثير.

وما أن يجلس الواحد مع أقربائه وأقرانه، حتى يبدأ بسرد سيرته في رمضان: قرأت كذا وكذا جزءاً، وصليت خلف الشيخ الفلاني، وفي المسجد الفلاني، وأنا أحرص على تغيير المساجد في التراويج لزيادة الأجر ومنع السآمة، وصوت هذا جميل، وهذا يطيل الصلاة، وذلك يقصرها، وهذا المسجد مزدحم وذاك مريح، وقد فطّرت كذا وكذا صائماً، ووزعت طروداً خيرية، وتصدقت للجنة الزكاة والصدقات، وأنا أكفل يتيماً أو عائلة، وأنا أتكفل بإفطار من في المسجد، وأنا أتكفل بوجبة السحور في ليلة القدر، وأنا من يفتح المسجد على الفجر، وأنا أصلي خلف الإمام في الصف الأول، وأنا أحضر قبل الآذان بكذا وكذا، وقد اعتمرت في رمضان، وفعلت كذا وكذا في مكة والمدينة، وتبرعت ببناء مسجد أو مصلى أو فرش السجاد أو الدهان أو تركيب المكيفات، وأنا أتكفل بعبوات الماء العذبة، وأنا أختم مرة كل كذا وكذا، وأنا أحج في كل عام مرة، وأنا أوزع أشرطة وأقراصاً مدمجة إسلامية، وأنا وأنا وأنا ...
ا
لمكافآت قد تحولت من مكافآت ربانية يحرص عليها المسلم، إلى مكافآت يأخذها المسلم بدافع الرياء أو السمعة أو الجاه، ربما رغبة في تقدير السامع لمدى تقواه وعبادته، أو مدى ورعه وخشوعه، أو مدى معرفته لربه، وربما يوظفها البعض -ممن يطلبون الدنيا- من خلال صور له من الأيتام أو العمال أو في الحج أو في العمرة أو في المسجد، لأعمال انتخابية تساعده في الحصول على مغنم زائل. كما أن كثرة الدخول في "المسابقات الدينية" و"الرمضانية"، بدعوى أنها تساعد على استرجاع المعلومات الدينية، وما هي إلا كذب وزور وبهتان، لا تضيف للمسلم علماً نافعاً إلا فيما ندر، تسأل عن لقب فلان، والمعركة الفلانية، وسنة ولادة ووفاة فلان، لأجل رحلة أو جائزة مالية، يصرف الواحد وقته وجهده عليها عن الأولى، وهو المسابقة إلى الجنة!

كما أن المسلم بعد أن ينقضي موسم العبادة، يفرح لأن الله تعالى وفقه لاستغلالها في فعل الطاعات، في ترفيه حلال: نزهة بريئة، ولعبة رقيقة، وزيارة خفيفة، دون تصنع أو تنطع أو دخول في منكر أو معصية، بدعوى أن الله قد "خلصه" من موسم العبادة هذا، فيذهب لأماكن اشتهرت بالعري والفساد والاختلاط، أو يقضي الساعات على شاشات الفضائيات والإنترنت، يرى ما حرم الله، ويسمع ما حرم الله، لأنه بحاجة إلى مكافأة وراحة بعد العبادة!

اللهم تقبل إنا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق