بسم الله الرحمن الرحيم
أتطرق اليوم إلى عدة مواضيع يحكمها أمر واحد، أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم في حديثين:
الأول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن ينتزعه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا))
الثاني: ((إنها ستكون سنون خداعات: يخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن، ويكذب فيها الصادق ويصدق فيها الكاذب، وينطق فيها الرويبضة. قالوا وما الرويبضة يا رسول الله ؟ قال : الرجل التافه يتكلم فى أمر العامة))
إن أزمة المرجعية الدينية في الفتوى قد أخذت منحىً خطيراً جداً في هذا الزمان، خاصة بعد تطور صناعة الاتصالات والإعلام وتكنولوجيا المعلومات، ومع توسع الفضائيات والإذاعات في تصدير بعض الرموز الإسلامية سدة الفتوى، مما أدى إلى تخبط واسع في مفهوم الشيخ والمفتي والداعية والعالم والفقيه والمجتهد وطالب العلم وغير ذلك من المسميات!
ولعلنا لا نطيل إن أجملنا ملحوظاتنا في نقاط:
- إن مفهوم الشيخ قد أصبح عاماً جداً؛ فهو يطلق على صاحب اللحية (وقد يكون غير مسلم!)، ويطلق على من يرتدي الثوب، ويطلق على كبير القوم والعشيرة، ويطلق على من درس في الكليات والمعاهد الشرعية، ويطلق على إمام المسجد، ويطلق على ذلك الرجل المحافظ على الصلاة، ويطلق على من يحضر "الحضرات" و"الخلوات" الصوفية، ويطلق على العالم والفقيه والمفتي والقاضي والمأذون...الخ. هذه المفاهيم والقناعات الفاسدة جعلت مجالاً لكل من تسمى بها أن يصدر الأحكام والفتاوى بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير!
- إن مفهوم الداعية مفهوم مائع شديد الميوعة! فتارة يطلق على ذلك المنتسب لجماعة الإخوان المسلمين، وتارة يطلق على المنتسب لجماعة الدعوة والتبليغ، وتارة يطلق على أولئك الشباب المتحمسين للدين والإسلام على برامج وشاشات الفضائيات، حتى أن مفهوم الداعية أصبحت له صورة ذلك الشاب الذي يلبس على الموضة -ولكن باحتشام-، حليق اللحية أو مخففها أو محددها، ويستضيف في برنامجه عدداً من الفتيان والفتيات -بعضهن غير محجبات- ويتم فتح قضية حوارية تمس واقع الشباب المسلم، أو قضية وعظية، أو ليستمعوا ويعلقوا على قصص وروايات قد يصح بعضها وقد يخطئ، وفيها جانب من إظهار "الإسلام المتحرر والشخص غير المتحجر"، إلى غيرها من الصور. حتى أن مفهوم الداعية قد انسحب على النساء: فمنهن ممثلات ومغنيات وراقصات تائبات، ومنهمن من أسلم حديثاً من غير المسلمين، أو تابت عن العلمانية أو غيرها من التوجهات الليبرالية...!
- أما عن المفاهيم الأخرى، فهي تطلق خبط عشواء: فالداعية في مقام العالم والمفتي، والشيخ يفتي، وكل من يحمل شهادة أكاديمية عليا في العلوم الشرعية أضحى عالماً مفتياً يتصدر المجالس والقنوات وأعمدة الصحافة!
- كل هذا، وصفحات المنتديات تزخر بنقولات عن فتاوى ورسائل بريد إلكترونية ومدونات وحلقات مسجلة على شبكات الإعلام الاجتماعي مثل اليوتيوب، وكل يغرف من هذا الدين ويعجن ويصب فيها ما كان منه وما ليس منه، حتى أضحى بعض الكتاب العلمانيين واللادينيين يفسرون ويفتون ويصوبون ويخطّئون ويؤيدون ويدحضون فتاوى العلماء بدعوى الانفتاح والتحرر!
أهكذا أصبح دين الإسلام؟
هل أضحى ديننا ألعوبة يعبث بها الناس ذات اليمين وذات الشمال؟
من جعل من هذا وذاك رمزاً ينطق باسم الدين بغير علم؟ وأي علم هذا الذي جناه من يتجرأ على الله بفتاوى "جريئة" لديها القدرة على "مجاراة العصر" و"فقه الواقع"؟ كذبوا وخابوا.
وهل أصبح دين الله ساحة للتباهي بالعلم والجراءة على الفتوى، مع أن قلة من أولئك من يعي تفسير كتاب الله وله حظ وافر من علوم العربية والأصول والحديث؟!
أما آن لحملة "يجوز، فالإسلام دين يسر" أن تنضبط بضوابط الشريعة الإسلامية؟
أما آن لأهل العلم أن يتخذوا موقفاً فاصلاً يردع المنتسبين لحزب "الرويبضة" من الولوغ في الإسلام بغير علم؟
وأخيراً، أذكر مقولة لواحد من العلماء في قرون الإسلام الأول، يقول فيها: الناس ثلاثة: عالم، ومتعلم، وهمج رعاع!
والله المستعان
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق